أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

المقدمة 15

قهوة الإنشاء

إظهار موقف المرسل تجاه المرسل إليه . وهناك كذلك عنصر تعبيري آخر وهي المصطلحات والتعابير المستقرة المستخدمة في أنواع الوثائق المعينة وفي الحالات المعلومة وللغايات المحددة . وكانت عادة ترصيع النصوص بأبيات الشعر اقتباسا من أشعار الشعراء القدامى ، أو من نظم المنشئ نفسه « 1 » ، من الوسائل الجمالية المميزة لذوق ذلك العصر . وكما أن استخدامها كوسيلة إنشائية وجمالية كان دليلا - وبصفة خاصة في الرسائل - على تعطف المرسل على المرسل إليه وترفيهه ، وكان ترفيهه وتسليته غاية لتسجيع المكتوب بأكمله « 2 » . والجدير بالذكر أن التقاريظ الواردة هنا مجموعة مؤلفة من أحد عشر تقريظا ، فهي بكونها نوعا خاصا للنقد الأدبي لا تعرض علينا صورة للحياة الفكرية في تلك الفترة وحسب وإنما تطلعنا على العلاقات بين الأدباء ، وتوضح لنا في نفس الوقت تطبيق الآراء النقدية المناسبة للنظريات الجمالية والفنية على الآثار الأدبية . وليست هذه التقاريظ مجرد مرآة للحياة الأدبية المعاصرة ، بل هي مع رسائل ابن حجّة الخاصة تصوّر أيضا طبيعة شخصيته من نواح شتّى . لقد ذكرنا أن معاصريه اعتبروه رجلا تيّاها ومعجبا بنفسه ، وربما قارب حكمهم هذا الحقيقة فعلا أو لم يقاربها ، فنرى من خلال تقاريظه أنه كان نصيرا للتراث الأدبي الكلاسيكي ، وخبيرا بالانتاج الأدبي المعاصر ، لم يتردد في أن يحكم حكما صارما أو يظهر رضاه وإعجابه . وتستكمل رسائله الخاصة « 3 » هذه الناحية الظاهرة عموما ببعض إشارات تومئ إلى أنه فهم المزاح وكان يميل أحيانا إلى الدعابة المرّة « 4 » .

--> ( 1 ) نجد في « قهوة الإنشاء » أبياتا معنونة بكلمة ( نغم ) ، فهل كان يعني ذلك أن الأبيات كانت أغنية لها لحن معروف ؟ ( 2 ) غالبا ما وصف ابن حجّة المكاتبة التي يرد عليها بنصه « مرقصا ومطربا » ؛ راجع عنوان كتاب « المراسلة » للدماميني ( شمس المغرب في المرقص والمطرب ) . . C . Brockelmann , GAL , II , 2 ( 3 ) تحت الرقم ( 121 ب ) . ( 4 ) مثل الرسالة إلى ابن القضامي ( الرقم 121 ب ، ص 471 ) التي شكا فيها من البرد والسعال وصعوبة التنفس ، أو الرسالة إلى ابن الدماميني ( نفس الرقم ، ص 461 ) التي وصف فيها بشيء من المزاح ما اعتراه من أهوال البحر . وأخيرا الأبيات التي قالها ابن حجّة على فراش موته فيما أصابه من الحمى ( « الضوء اللامع » للسخاوي ج 11 ص 56 ) .